لغول عند العرب نوع من مردة الجن
|
أسعد لحظات طفولتي هي تلك اللحظات التي كنت
أسند فيها رأسي علي صدر أمي الحبيبة لتروي لي حكاية قبل النوم ، لا أستمع
لشيء إلا لصوتها العذب الذي تنخفض و ترتفع نبراته تبعا لأحداث القصة حتى
يصبح خافتا هامسا ظنا منها أني غفوت ، و عندما تهم بالتسلل من جواري أمسك
بملابسها طمعا في المزيد ، ومن منا لم يطمع؟ .
كانت تهددني رافعة أصبعها الذي لا أنساه
قائلة : (نامي و إلا سيأتي أبو رجل مسلوخة و الغول ليأكلاكِ) كانت هذه
العبارة كفيلة بأن تجعل عيناي تأبي النوم، تتركني أنا و الرعب و الهواجس
ثالثنا ! يدور في عقلي الصغير العديد و العديد من التساؤلات الممزوجة
بالآهات :
- ماذا لو حضر الغول و أنا ما زلت مستيقظة؟
- سأمثل دور النائمة.
- و لكنه سيعرف فهو ليس غبي.
- و كيف سيعرف؟
- عندما يبتل سريرك أيتها الخرقاء!
- أذن سأنام بسرعة و إلا سيأتي و يلتهمني دفعة واحدة و لن يترك مني إلا شريطة شعري الحمراء لأنها ستقف في حلقه و لن يستطيع بلعها (عقل عيال) يا ليتني أتحول لرابطة شعر عسي أن أنجو من هذا المصير البائس! .
- سأمثل دور النائمة.
- و لكنه سيعرف فهو ليس غبي.
- و كيف سيعرف؟
- عندما يبتل سريرك أيتها الخرقاء!
- أذن سأنام بسرعة و إلا سيأتي و يلتهمني دفعة واحدة و لن يترك مني إلا شريطة شعري الحمراء لأنها ستقف في حلقه و لن يستطيع بلعها (عقل عيال) يا ليتني أتحول لرابطة شعر عسي أن أنجو من هذا المصير البائس! .
سيأتي أبو رجل مسلوخة و الغول ليأكلاكِ ..
|
حينها لم يكن يدور بخلدي أن الكبار الذين لطالما نهونا عن الكذب هم أيضا يكذبون و لو كانت نيتهم حسنة! .
اكتشفت أن الغول الذي ما فتئ يجمد الدم
بعروقي و يلصقني و يسكنني بسريري سكون الأموات ما هو إلا كائن من نسج خيال
السابقين ، يأتي ذكره في قصص الرعب الشعبية لترهيب و إخافة الجبناء
أمثالي! .
و لكن أو ليست كل الأساطير بها نسبة ولو
ضئيلة من الحقيقة؟ بني عليها القدماء و شيدوا صرحا حتى تحولت لخرافة من فرط
التهويل و المبالغة فيها ! .
و قديما أعتبر الغول من المستحيلات عند العرب، يقول الشاعر :
لما رأيت بني الزمان و ما بهم *** خل وفي للشدائد أصطفي
علمت أن المستحيلات ثلاثة *** الغول و العنقاء و الخل الوفي
علمت أن المستحيلات ثلاثة *** الغول و العنقاء و الخل الوفي
و مقالنا اليوم سيتعرض لتلك المستحيلات.
الغول
نوع من مردة الجن ..
|
كائن أسطوري علي هيئة إنسان و لكن رجلاه
أرجل حمار ، وأحمد الله أننا أرحنا أرجل الماعز هذه المرة فقد كنا نستعيرها
و نزج بها لنلصقها بكل كائن مبهم أمامنا! . عينه
مشقوقة بالطول تمتلئ بالغضب و الشرر كما يمتلئ فكاه بالأنياب المهولة
القادرة علي تمزيق أجساد ضحاياه و تحويلها لأصابع كفتة سهلة البلع و
الهضم.
و الغول عند العرب نوع من مردة الجن الذين
يتربصون بالمسافرين في الصحاري و الفيافي ، تسخر منهم حتى يضلوا سبيلهم و
في نهاية المطاف يستقرون داخل معدتهم الفولاذية.
و الأنثى من الغول هي السعلاه و هي كائن
شيطاني يغطي جسدها بالشعر الكثيف و لكنها قادرة علي التحول إلي هيئة بنات
حواء خاصة الجميلات منهن ، تسكن الأماكن المهجورة و يا لحظه العاثر من
ترميه الأقدار في طريقها (أمه داعية عليه) ستغريه حتى تسلب إرادته ثم
تضاجعه و قبل أن يفيق من نشوته سيتحول إلي لقمة سائغة في حلقها ! .
في بلدي الحبيب مصر تتشابه تلك الصفات مع
كائن أنثوي كثيرا ما أتت الجدات علي ذكره في قصصهن و هو"النداهة" التي تجذب
الرجال بصوتها الناعم الدافئ منادية إياهم بأسمائهم حتى تسحرهم فيسيروا
إلى قدرين لا ثالث لهما .. إما الموت أو الجنون! .
السعلاة هي انثى الغول ..
|
وهناك فيلم مصري شهير يحمل ذات الاسم "النداهة" تقول أحدي أغنياته : (شئ من بعيد ناداني، و أول ما ناداني جرالي ما جرالي) .
و للفتك بالسعلاه طريقة واحدة فقط و هي طعن ظلها بشفرة حادة.
و الغول في بعض الثقافات الأفريقية يطلق
على نوع من المتشيطنة يشبه الكائن الأسطوري "السيكلوب" هذا الكائن الذي أتى
ذكره في ملحمة"الأوديسية" عندما وقع البطل"أوديسيون" هو و رجاله أسري
لدي عملاق ذو عين واحدة ظاهرة في وسط جبهته أسمه "السيكلوب" معروف بنهمه
الشديد لأكل لحوم البشر و لكن في النهاية استطاعوا الفرار من قبضته.
و هناك بعض كتب التراث تشير إلى أن الغول ما هو إلا حية عملاقة تعرف بالغول و هو نوع من الأفاعي مشهور الخليج.
و أترك لك عزيزي القارئ اختيار الغول الذي يرضي خيالك.
العنقاء (الفينكس)
طائر النار الأعظم ..
|
طائر النار الأعظم ، رمز الحياة و الموت،
التجسيد الأمثل لعقيدة الخلود و البعث عند الفراعنة ، فالإنسان سيبعث بعد
موته ليحيا حياة الخلود و ستصعد روحه إلي السماء ، فالموت عندهم لم يكن
نهاية بل هو المدخل لحياة أبدية كما يحدث في أسطورة طائر العنقاء .
أما كلمة "الفينكس" فالبعض يقول أنها
يونانية الأصل و البعض الأخر يقول أصلها كلمة "فينيق" فهذا الطائر كان
رمزا للحضارة الفينيقية العظيمة في سوريا القديمة و رسم هيكله على سفنهم
التي كانت تجوب البحار.
أما عند العرب فسمي"العنقاء" نظرا لطول
عنقه و قد وصفه العالم العربي"داود الأنطاكي" بأنه : (يقارب حجم الجمل و
أرفع منه عنقه طويل شديد البياض مطوق بصفرة).
خلط البعض بينه و بين طائر الرخ و هو طائر
عملاق من فصيلة العقبان و قد ذكره ابن بطوطة في أحدي رحلاته قائلا : ( و
لما كان اليوم الثالث و الأربعين ظهر لنا من بعد طلوع الفجر جبل في البحر
بيننا و بينه عشرين ميلا و الريح تحملنا صوبه، فعجب البحارة و قالوا: لسنا
بقرب البر و لا يعهد في البحر جبل، فلجأ الناس إلى الاستغفار و التضرع و
سكنت الريح بعض سكون، ثم رأينا ذلك الجبل عند طلوع الشمس و قد أرتفع في
الهواء و ظهر الضوء ، الذي تخيلناه جبلا ما هو إلا طائر الرخ) و لك عزيزي
القارئ أن تتخيل حجم هذا الطائر الذي حجب ضوء الشمس من هذه المسافة! .
الرخ كما صوته الاساطير العربية ..
|
و هناك أسطورة العنقاء تلك الأسطورة التي
تقول أن العنقاء طويل العمر يأتي كل خمسمائة عام ، في نهايتها وعندما يشعر
بدنو أجله يتجه صوب معبد الشمس بمصر ، يلطم جناحيه ببعضهما و هما يحتويان
علي حويصلات من مادة "الفسفور الأبيض" الذي يشتعل فور اتحاده مع الهواء ،
بعدها يتحول الطائر إلى كرة نارية ملتهبة تأتي على ريشه و لحمه و عظامه و
لا يتبقي من هذا الجسد سوي حفنة من الرماد ، تخرج منها دودة ما تلبث أن
تتحول لشرنقة يخرج منها بعد أيام قليلة طائر عنقاء جديد يكاد يكون صورة
طبق الأصل لسلفه ، يحلق راجعا إلى موطنه الأصلي لتبدأ دورة جديدة .
و للعنقاء قصة شهيرة مع سيدنا سليمان عندما
دخل عليه في مجلسه قائلا : (أنا لا أؤمن بالقدر ، فالإنسان هو من يصنع
قدره بنفسه و ليس الله) .
فرد عليه السلام : (إن صانع الأقدار هو
الله و الإنسان ما عليه إلا الاختيار بين الخير و الشر) ، و تحداها أن تغير
قدر فتاة فقيرة توشك أن تولد في شمال البلاد و ستتزوج من أحد أبناء ملوك
الجنوب في مكان خارج البلاد! و رغم أن العنقاء سرق الفتاة بعد مولدها و
وضعها في جزيرة نائية إلا أنه لم يستطع منع القدر ، عاقبه سليمان بالنفي
في الجبال و بالمنع من الاختلاط بباقي الطيور، و يقال أنه منذ هذا الحين
لم يشاهده أحد.
كان للعنقاء مكانة عظيمة في الزمن القديم
تفوق مكانة التنين خاصة في الحضارة الصينية القديمة ، كانوا يتبركون بهذا
الطائر فائق الجمال ، و قال عنه أحد كتابهم : (للعنقاء رأس ديك و عنق أفعى
و فم عصفور و ظهر سلحفاة و ذيل سمك).
قد يكون العنقاء أسطورة أو حقيقة لا يهم ، المهم أن نأخذ العبرة من أسطورته وأن نبدأ من جديد كلما ظن البعض أننا انتهينا ، أن ننفض عنا غبار الرماد و نبدأ يوم جديد ننسي معه القديم، و هذا ما فعلته مدينة "غزة" الصامدة عندما اتخذت هذا الطائر شعارا لها فكلاهما ينهض من جديد وسط الرماد.
قد يكون العنقاء أسطورة أو حقيقة لا يهم ، المهم أن نأخذ العبرة من أسطورته وأن نبدأ من جديد كلما ظن البعض أننا انتهينا ، أن ننفض عنا غبار الرماد و نبدأ يوم جديد ننسي معه القديم، و هذا ما فعلته مدينة "غزة" الصامدة عندما اتخذت هذا الطائر شعارا لها فكلاهما ينهض من جديد وسط الرماد.
الخل الوفي
الخل الوفي .. هل له وجود ؟ ..
|
هل حقا الخل الوفي مستحيل الوجود مثله مثل
الغول و العنقاء؟ ذلك الخل الذي يحبك و يصادقك دونما هدف ، يخاف عليك حتى
من شطحات نفسه، شخص كأنه جزء منك، كأن قلبك قلبه و كأن عقلك عقله، جسدان
يتشاركان و يتقاسمان روح واحدة، شخص ينتشلك من أحزانك قبل أن تغرق فيها ،
شخص إذا أخطأت يقبل أعذارك و أذا بحت يصون أسرارك ، هل أصبح هذا الشخص ضرب
من ضروب الخيال بعد أن تحولت غالبية العلاقات الإنسانية إلى علاقات مصالح
تزول بزوال الهدف و الغاية ! أصبحت علاقات مادية محددة بالأرقام ، لها
أسهم في بورصة الحياة، مثلها مثل بئر البترول الذي يتهافت عليه الجميع حتى
تجف منابعه.
وصف ونستون شرشل الصداقة قائلا : ( هي البحث عن قطة سوداء في غرفة سوداء عن طريق رجل كفيف) .. كحلها و أظلمها جدا ونستون! .
علاقة الصداقة مثل البطيخة قد يسعدك حظك و
تكون حمراء شهية الطعم و قد يعاندك حظك و يكون الخيار أشهي منها ! و لن
تعرف نوع بطيختك إلا وقت الشدائد لأنها الوحيدة التي تكشف معدن صديقك و
تسقط الأقنعة من على الوجوه.
و هناك مثل مصري يقول :( زي ما في شامبو ضد القشرة في صحاب ضد العشرة) .
و هناك مثل مصري يقول :( زي ما في شامبو ضد القشرة في صحاب ضد العشرة) .
ختاما
لو قدر لك عزيزي القارئ أن تختار المستحيل الرابع فماذا سيكون؟
عن نفسي سأختار وحدتنا كعرب ، و في هذا
يقول نزار قباني : (خريطة الوطن العربي فضيحة، فحواجز و مخافر و كلاب، و
العالم العربي إما نعجة مذبوحة أو حاكم قصاب، و العالم العربي يرهن سيفه
فحكاية الشرف الرفيع سراب) .
أتمني أن يأتي ذلك اليوم الذي نفك فيه رهننا و نستلم سيفنا قبل أن يأكله الصدأ و يصبح هو و العدم سواء.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق